الشيخ محمد رشيد رضا

40

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

4 ) علم تقويم البلدان ليعد الدعاة لكل بلاد منها عدتها إذا أرادوا السفر إليها وقد كان الصحابة رضى اللّه عنهم أعلم أهل زمانهم بالتاريخ وما يسمى الآن بتقويم البلدان وبالجغرافية ولذلك أقدموا على الفتوح ومحاربة الأمم فانتصروا عليهم بالعلم لا بالجهل فلو كانوا يجهلون مسالك بلادهم وطرقها ومواقع المياه وما يصلح موقعا للقتال فيها لهلكوا وكان الجهل أول أسباب هلاكهم . ومن قرأ ما حفظ من خطبهم وكتبهم التي كانوا يتراسلون بها ومحاوراتهم في تدبير الأعمال يظهر له ذلك بأجلى بيان قال الأستاذ الامام ما مثاله : ومن الناس من ينفر من التاريخ وتقويم البلدان الذي هو فرع من فروعه وما أضر هؤلاء الا بأنفسهم وأمتهم ! ! فقد قطعوا الصلة بينهم وبين القدوة الصالحة من سلفهم حتى صار أكثر المسلمين لا يعرفون مبدأ الاسلام ولا كيفية نشأته ولا كيف انتسبوا اليه فالتاريخ يعرف الانسان بنفسه من حيث هو متدين ان كان له دين أو من حيث هو إنسان إن كان من بني الانسان . وما أضر بالفقه شئ كالجهل بالتاريخ لأننا لو حفظنا تاريخ الناس ، ومنه عاداتهم وعرفهم ومصالحهم في البلاد التي كان فيها المجتهدون الواضعون لهذا الفقه ، لكنا نعرف من أسباب خلافهم ومدارك أقوالهم مالا نعرفه اليوم . فما كان ذلك الخلاف جزافا ولا عبثا . ألم تر أن الشافعي وضع بعد مجيئه إلى مصر مذهبا جديدا غير المذهب القديم الذي كان عليه أيام لم يكن خبيرا بغير الحجاز والعراق . وكذلك كان ما خالف به أبو يوسف أستاذه أبا حنيفة مما يرجع الكثير منه إلى ما اختبره من حال الناس في مصالحهم ومنافعهم وعرفهم ، فباللّه كيف ينتسب امرؤ إلى إمام ويشتغل بعلم مذهبه وهو لا يعرف تاريخه وتاريخ عصره ! ! وجملة القول : أن الجاهل بالتاريخ لا يصلح أن يكون فردا من الأمة الداعية إلى الاسلام الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر في الأمور العامة على الوجه الذي يرجى قبوله 5 ) علم النفس وهو يساوى علم التاريخ في المكانة والفائدة أي العلم الباحث عن قوى النفس وتصرفها في علومها وتأثير علومها في أعمالها الإرادية . مثال ذ